أبي حيان التوحيدي
49
المقابسات
والحرام ، والتفسير والتأويل ، والعيان والخبر ، والعادة والاصطلاح ، فما فزعوا في شئ من ذلك إلى منجم ، ولا طبيب ، ولا منطقي ، ولا هندسي ، ولا موسيقى ، ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء ؛ لأن اللّه تعالى تمم الدين بنبيه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ولم يحوجه ، بعد البيان الوارد بالوحي ، إلى بيان موضوع بالرأي وقال : وكما لم نجد هذه الأمة تفزع إلى أصحاب الفلسفة في شئ من أمورها ، فكذلك ما وجدنا أمة موسى ( عليه السلام ) وهي اليهود ، تفزع إلى الفلاسفة في شئ من دينها ، وكذلك أمة عيسى ( عليه السلام ) وهي النصارى ، وكذلك المجوس قال : ومما يزيدك وضوحا أن الأمة اختلفت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا فيها وفرقا ، كالمعتزلة ، والمرجئة ، والشيعة ، والسنية ، والخوارج . فما فزعت طائفة من هذه الطوائف إلى الفلاسفة ، ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهاداتهم . وكذلك الفقهاء الذين اختلفوا في الاحكام من الحلال والحرام منذ أيام الصدر الأول إلى يومنا هذا ، لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة واستنصروهم وقال : وأين الآن الدين من الفلسفة ؟ وأين الشئ المأخوذ بالوحي النازل ، من الشئ المأخوذ بالرأي الزائل ؟ فان أدلوا بالعقل ، فالعقل من هبة اللّه جل وعز لكل عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ما يعلوه ، كما لا يخفى عليه ما يتلوه . وليس كذلك الوحي ، فإنه على نوره المنتشر ، وبيانه المتيسر قال : ولو كان العقل يكتفى به ، لم يكن للوحي فائدة ولا غناء ؛ على أن منازل الناس متفاوتة في العقل ، وأنصباءهم مختلفة فيه . فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا نصنع ، وليس العقل باسره لواحد منا ، وإنما